ابن أبي الحديد

36

شرح نهج البلاغة

أبا بكر جاء بعد ثلاث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد أربد بطنه ، فكشف عن وجهه ، وقبل عينيه ، وقال بأبي أنت وأمي طبت حيا وطبت ميتا ( 1 ) قلت وانا أعجب من هذا هب إن أبا بكر ومن معه اشتغلوا بأمر البيعة ، فعلي ابن أبي طالب والعباس وأهل البيت بما ذا اشتغلوا حتى يبقى النبي صلى الله عليه وآله مسجى بينهم ثلاثة أيام بلياليهن لا يغسلونه ولا يمسونه . فان قلت الرواية التي رواها الطبري في حديث الأيام الثلاثة ، إنما كانت قبل البيعة لان لفظ الخبر عن إبراهيم ، وانه لما قبض النبي صلى الله عليه وآله كان أبو بكر غائبا فجاء بعد ثلاث ، ولم يجترئ أحد أن يكشف عن وجهه عليه السلام حتى أربد بطنه ، فكشف عن وجهه وقبل عينيه ، وقال بأبي أنت وأمي طبت حيا وطبت ميتا ، ثم خرج إلى الناس ، فقال من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات الحديث بطوله . قلت لعمري إن الرواية هكذا أوردها ، ولكنها مستحيلة ، لان أبا بكر فارق رسول الله صلى الله عليه وآله وهو حي ، ومضى إلى منزله بالسنح في يوم الاثنين ، وهو اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ، لأنه رآه بارئا صالح الحال هكذا روى الطبري في كتابه وبين السنح وبين المدينة نصف فرسخ ، بل هو طائفة من المدينة ، فكيف يبقى رسول الله صلى الله عليه وآله ميتا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء لا يعلم به أبو بكر ، وبينهما غلوة ثلاثة أسهم وكيف يبقى طريحا بين أهله ثلاثة أيام لا يجترئ أحد منهم أن يكشف عن وجهه ، وفيهم علي بن أبي طالب وهو روحه بين جنبيه ، والعباس عمه القائم مقام أبيه ، وابنا فاطمة ، وهما كولديه ، وفيهم فاطمة بضعة منه ، أفما كان في هؤلاء من يكشف عن وجهه ، ولا من يفكر في جهازه ، ولا من يأنف له من

--> ( 1 ) تاريخ الطبري 1 : 1817 .